دفاعًا عن اختصاصات المجالس والمؤسسات
ر 162 — تعارض المصالح وحدود الاختصاص: دراسة في ضوء مبادئ الحوكمة المؤسسية
محمد بلمعلم
مقدمة
شكّل اكتشاف أن نائب الأمين العام لـحزب العدالة والتنمية يعمل ضمن ديوان رئيس الحكومة، في وقت يتموضع فيه حزبه في المعارضة، مناسبة لأعضاء الحزب وللمهتمين بالشأن العام لطرح جملة من الأسئلة التصورية العميقة حول شكل وطبيعة المعارضة في النظام الديمقراطي، وحدود الانسجام بين الموقف السياسي والممارسة العملية.
ومن بين هذه الأسئلة: هل توجد منزلة وسطى في الفعل السياسي الديمقراطي، بحيث يُسهم الفاعل في تدبير الشأن العام ويعارضه في الوقت ذاته؟ وهل يمكن التواجد في ضفتين متقابلتين ضمن نفس اللحظة السياسية؟ وهل يمكن، من الناحية العملية، تصور معارضة مجردة للفساد دون التصدي للسلطة التنفيذية التي تُنتجه، وذلك عبر الوسائل التي يتيحها القانون؟
لقد تصدى الأمين العام للحزب للإجابة عن هذه الأسئلة، وانفرد بوضع تصور وتأصيل لما أسماه «المعارضة المنصفة»، باعتبارها إطاراً نظرياً جديداً يضاف إلى مفاهيم سياسية سابقة، من قبيل «المساندة النقدية». غير أن هذا التصور يثير، من زاوية قانونية مؤسساتية، إشكالاً جوهرياً يتعلق بحدود الاختصاص داخل التنظيم، وبمدى مشروعية انفراد الجهاز التنفيذي بوضع التصورات المنهجية التي تؤطر عمل الحزب وتوجه مواقفه.
فهل يدخل تحديد طبيعة المعارضة، وتأطير منهجها، ضمن الاختصاصات الفردية للأمين العام؟ أم أن الأمر يتعلق بخيار مؤسساتي يقتضي التداول والنقاش داخل الهيئات المختصة، وفق ما ينص عليه النظام الأساسي؟ وما هو الجهاز الذي يملك، من الناحية القانونية، سلطة البت في هذه المسائل ذات الطابع البنيوي؟
إن خطورة هذا الإشكال لا تكمن فقط في البعد النظري، بل في آثاره العملية. إذ على أساس هذا التصور الذي وُضع بشكل منفرد، جرى الحسم في قضايا تطبيقية حساسة، من بينها الترخيص لنائب الأمين العام بالعمل ضمن ديوان رئيس الحكومة، دون عرض المسألة على الأمانة العامة أو إخضاعها للنقاش المؤسسي. وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت مسألة بهذا الحجم، بما تنطوي عليه من تعارض محتمل للمصالح، لم تُعرض على الهيئات المختصة، ففي أي القضايا يكون الرجوع إلى هذه الهيئات لازماً؟
والجدير بالملاحظة أن مسألة تجاوز الاختصاصات المؤسساتية ليست سابقة معزولة، بل سبق أن أثيرت سنة 2017، بمناسبة النقاش حول الجهة المختصة بالنظر في تعديل النظام الأساسي، حيث تم إسناد هذا الاختصاص إلى المجلس الوطني، رغم أن تعديله يندرج، من حيث المبدأ، ضمن اختصاص المؤتمر العام باعتباره الهيئة التقريرية العليا (1).
كل ذلك يدفع إلى إعادة قراءة هذه الواقعة، لا باعتبارها مجرد حدث سياسي ظرفي، بل كنموذج تطبيقي يُجسد إشكالية قانونية معروفة في قانون الشركات، وهي إشكالية تعارض المصالح وحدود الاختصاص داخل الأجهزة القيادية. فالأمر يتعلق، في جوهره، بمبادئ الحوكمة المؤسسية التي تفرض توزيعاً واضحاً للاختصاصات، وتمنع الجمع بين موقع اتخاذ القرار وموقع الاستفادة منه، ضماناً لنزاهة القرار ومشروعيته.
ومن هذا المنطلق، تتيح هذه الواقعة مناسبة لتحليل أعمق لمفهوم تعارض المصالح، ولعلاقته بمبدأ الاختصاص، ولمكانته ضمن قواعد الحوكمة، وهي قواعد لا تقتصر على الشركات التجارية، بل تمتد، بحكم طبيعتها، إلى كل تنظيم مؤسساتي يقوم على أجهزة، واختصاصات، وآليات لاتخاذ القرار.
أولاً: تعارض المصالح كإخلال بقاعدة الحياد المؤسسي
يُعد تعارض المصالح، في المفهوم القانوني، حالة تتقاطع فيها المصلحة الشخصية مع المصلحة المؤسسية، على نحو من شأنه أن يؤثر، أو يُحتمل أن يؤثر، على حياد القرار.
وفي قانون الشركات، يخضع هذا المبدأ لتنظيم دقيق. فلا يجوز لعضو مجلس الإدارة، مثلاً، أن يشارك في اتخاذ قرار تكون له فيه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، كما يتعين عليه التصريح بهذه المصلحة، والامتناع عن المشاركة في المداولات والتصويت.
والغاية من ذلك ليست مجرد حماية الشكل، بل ضمان سلامة الإرادة المؤسسية، بحيث يصدر القرار معبراً عن المصلحة العامة للمؤسسة، لا عن المصلحة الخاصة لأحد أعضائها.
وبالقياس إلى الواقعة محل الدراسة، فإن الجمع بين موقع قيادي داخل تنظيم معارض، وموقع وظيفي ضمن الجهاز التنفيذي الذي يُفترض معارضته، يثير، على الأقل، احتمال قيام تعارض موضوعي في المصالح، وهو احتمال يكفي، من منظور الحوكمة، لفرض عرض المسألة على هيئة مستقلة ومختصة.
ثانياً: مبدأ الاختصاص كضمانة لمشروعية القرار
يقوم التنظيم المؤسسي، سواء في الشركات أو في الهيئات الحزبية، على توزيع محدد للاختصاصات بين الأجهزة المختلفة. ويُعد هذا التوزيع من النظام العام الداخلي للمؤسسة.
فكما لا يجوز للمدير العام أن يحل محل الجمعية العامة في الاختصاصات الموكولة إليها قانوناً، لا يجوز كذلك للجهاز التنفيذي أن ينفرد باتخاذ قرارات تدخل ضمن اختصاص الأجهزة التداولية.
ويترتب على مخالفة قواعد الاختصاص عيب قانوني يُعرف بعيب «عدم الاختصاص»، وهو من العيوب التي تمس مشروعية القرار في أساسه، لأنه يتعلق بالجهة التي أصدرته، لا بمضمونه فقط.
ومن ثم، فإن المسائل التي تمس التوجهات الكبرى للتنظيم، أو التي تنطوي على احتمال تعارض المصالح، ينبغي أن تُعرض على الهيئة المختصة، باعتبارها الضامن الأول للمشروعية المؤسسية.
ثالثاً: الحوكمة المؤسسية كإطار ناظم للعمل التنظيمي
تقوم الحوكمة، في جوهرها، على ثلاثة مبادئ أساسية:
توزيع واضح للاختصاصات؛
منع تعارض المصالح؛
إخضاع القرار للتداول الجماعي.
وهذه المبادئ ليست مجرد قواعد نظرية، بل آليات عملية لضمان استقرار المؤسسات، وحماية قراراتها من الطعن، وصون ثقة أعضائها ومحيطها.
فالقرار الفردي، مهما كانت وجاهته، يظل أضعف من القرار الجماعي، لأنه يفتقر إلى الضمانة التداولية التي تمنحه المشروعية والقوة.
خاتمة: الواقعة كدرس في قانون الحوكمة
إن هذه الواقعة، عند تجريدها من سياقها السياسي، تقدم نموذجاً تطبيقياً بالغ الأهمية لطلاب قانون الشركات، لأنها تُجسد، في صورة واقعية، مفاهيم قانونية أساسية، من قبيل:
تعارض المصالح؛
حدود الاختصاص؛
مشروعية القرار المؤسسي؛
دور الأجهزة التداولية في حماية المؤسسة.
وتؤكد، في النهاية، حقيقة قانونية راسخة: أن قوة المؤسسات لا تُقاس بأشخاصها، بل بمدى احترامها لقواعد الاختصاص، وبقدرتها على إخضاع قراراتها لمنطق الحوكمة، لا لمنطق الإرادة الفردية.
فالاختصاص ليس مجرد إجراء، بل هو ضمانة.
وتعارض المصالح ليس مجرد احتمال، بل خطر يجب منعه.
والحوكمة ليست خياراً، بل شرطاً لسلامة كل بناء مؤسسي.
محمد بلمعلم
————
1- انظر : م. بلمعلم، قراءة نقدية في النظام الأساسي لحزب العدالة والتنمية ، موقع هسبريس، بتاريخ 9 دجنبر 2017، تحت رقم 374165.
منشورات موقع قم نفر، باريس:
محمد بلمعلم، الشفعة في أسهم شركات المساهمة، دراسة للمادتين 253 و257 من قانون شركات المساهمة المغربي، دار الآمان، الرباط، سنة 2007، 315 صفحة . لتحميل مستخلص من الكتاب من هنا


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق