الاثنين، 13 يناير 2025

ر 501، اكتب حيث لا يضيع علمك: لماذا يجب النشر في موقع لا في فيسبوك، م. بلمعلم

لماذا أختار الكتابة والنشر في موقع إلكتروني، وليس مباشرة على فيسبوك؟

محمد بلمعلم
مدير موقع أكاديمية القانون الخاص – باريس

مقدمة

منذ سنوات، أدركت حقيقة بسيطة ولكنها عميقة الأثر: ما نكتبه ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو رصيد معرفي، أشبه بودائع نضعها في بنك الزمن. كل مقال، كل ترجمة، كل فكرة موثقة، هي قيمة محفوظة لنا ولغيرنا. وكثيراً ما تمنيت لو أنني بدأت هذا المسار منذ عام 2011، لأن المعرفة التي تُنشر بطريقة منظمة لا تفيد الآخرين فحسب، بل تعود بالنفع أولاً على صاحبها. واليوم، وقد بدأت هذا العمل، فإنني أعي تماماً أنني أستفيد وأفيد في آن واحد.

الموقع الإلكتروني: ذاكرة منظمة، لا منشورات عابرة

النشر في موقع إلكتروني يمنح المعرفة بيتاً دائماً، منظماً وفق السنوات، والعناوين، والكلمات المفتاحية. يمكن للباحث أن يصل إلى المعلومة بسهولة، وأن يجد المقال بعد سنوات كما لو نُشر اليوم. يكفي أن يضغط على كلمة أو موضوع، فتظهر له جميع النتائج المرتبطة بها.

أما النشر على فيسبوك، فإنه يفتقد إلى هذا النظام. فالمحتوى هناك يضيع في تدفق المنشورات، ويصعب العثور عليه لاحقاً، حتى على صاحبه نفسه. كم من اجتهاد قضائي نُشر ثم اختفى في زحام المنشورات، وكأنه لم يكن.

القيمة العلمية والتوثيق الأكاديمي

المقال المنشور في موقع إلكتروني يُعد عملاً علمياً يمكن الاستدلال به في البحوث، وإدراجه ضمن قائمة المراجع، وإضافته إلى السيرة الذاتية باعتباره إنتاجاً فكرياً منشوراً.

أما المنشور على فيسبوك، فلا يحمل هذه القيمة الأكاديمية. لا يمكن للباحث أن يستشهد به بثقة، ولا يمكن لصاحبه أن يقدمه كإنتاج علمي موثق. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين عمل محفوظ في مكتبة، وكلمة قيلت في طريق عابر.

الاستقلال المعرفي والاستقلال الاقتصادي

حين تنشر في موقعك، فإنك تبني فضاءك الخاص، وتؤسس استقلالك المعرفي. بل إن شركات مثل غوغل تتيح لصاحب الموقع الاستفادة من عائدات الإعلانات، فيتحول العمل العلمي إلى مورد مشروع.

أما في فيسبوك، فإنك تعمل مجاناً لصالح المنصة. تكتب، وتنشر، وتبذل الجهد، بينما تستفيد الشركة من المحتوى ومن بيانات المستخدمين لأغراض تجارية.

كن ذكياً: اجعل عملك لك، لا لغيرك.

المعرفة الجادة تحتاج فضاءً جاداً

أعلم أن النفس تميل إلى الفضاء الأزرق، وتألفه، بل تتردد في مغادرته. ولكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن فضاء التسلية ليس هو المكان الطبيعي للمعرفة الجادة. من أراد أن يتعلم حقاً، وأن يبني رصيداً علمياً حقيقياً، فعليه أن ينتقل إلى فضاء مخصص للعلم، لا للتسلية.

شخصياً، أجد في موقعي حرية كاملة في العمل، وأدوات فعالة للكتابة، والتنظيم، والنشر. هناك أستطيع أن أكتب بكرامة الباحث، لا بعشوائية المنشور.

مثال عملي: توثيق قضاء محكمة النقض الفرنسية

يتيح لي موقعي متابعة ونشر اجتهادات محكمة النقض الفرنسية يوماً بيوم، مع ترجمة مضمونها إلى اللغة العربية. يمكنني في يوم واحد نشر عدة قرارات، وتصنيفها، وأرشفتها، بحيث تصبح مرجعاً دائماً.

هذا العمل يحول الموقع إلى مكتبة قانونية حقيقية، وإلى أداة فعالة للمذاكرة والبحث. يستطيع الباحث أن يتذكر قراراً، ثم يعثر عليه بسهولة عبر البحث في الموقع. أما في فيسبوك، فإن العثور على منشور قديم يصبح مهمة شاقة، إن لم يكن مستحيلاً.

حماية صورة الباحث وهيبته العلمية

الباحث الجاد يحتاج إلى فضاء يحفظ له هيبته. عندما يبحث في موقع علمي، فإنه يظهر بمظهر الباحث المنهمك في عمله. أما حين يقضي وقته في فيسبوك، فقد يُساء فهمه، حتى لو كان يبحث عن مادة علمية.

الموقع يحمي صورة الباحث، ويمنحه البيئة التي يستحقها.

تربية النفس على الجد، لا على التسلية

نحن أحياناً نخادع أنفسنا، فنبحث عن المعرفة في فضاءات التسلية. لكن الحقيقة أن النفس تحتاج إلى التوجيه، وإلى الانضباط. فالمعرفة الجادة تتطلب صبراً، ونظاماً، والتزاماً.

جنة المعرفة، في الدنيا والآخرة، لا تُنال إلا بالجهد.

كلمة وفاء

أتذكر هنا العلامة محمود مصطفى رحمه الله، وأتخيل لو أنه عاش في عصر النشر الرقمي. لقد بنى مجده العلمي من خلال كتبه، التي كانت مصدر أثر وثروة علمية ومادية. ولو كان النشر العلمي متاحاً مجاناً كما هو اليوم في منصات التواصل، لربما تغيرت معادلة العطاء والعائد.

وهذا درس لنا: احفظ علمك في مكان يليق به.

خاتمة

الموقع الإلكتروني ليس مجرد وسيلة نشر، بل هو وعاء للمعرفة، وذاكرة منظمة، وأداة للاستقلال العلمي.

اكتب في موقعك.
ابنِ مكتبتك.
احفظ علمك.

ولا تجعل عملك الجاد يضيع في فضاء صُمم للنسيان.



محمد بلمعلم، القرارات الكبرى للقضاء التجاري الفرنسي:  منشورات مجلة قضاء محكمة النقض الفرنسية، باريس، الطبعة 1، دجنبر 2015، تحت رقم 237. سلسلة القررات الكبرى، ك 5.

هذا الكتاب هدية، لتحميله مجانا من هنا

أو انسخ الرابط الآتي:

https://bit.ly/3HagS30

 


SEDR, Panorama des arrêts significatifs de la chambre commerciale , Jan 2015 – Dec 2021, 7e ed. Nov. 2022, RJCC, Paris, T 4, sous n° 443. (384 pages).

Extrait offert en téléchargement

https://bit.ly/3lAa3zv

Pour commander le livre par ici

http://bit.ly/3wWxLbC

 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ر610، فهرس المقالات في قانون الاشخاص الفرنسي

فهرس المقالات في مدونة الاسرة ( قانون الأسرة، قانون الأشخاص،)   -         ر 446،  أهم مقترحات التعديل المقدمة من قبل الهيئة المكلفة بمراجعة ...